سيد محمد طنطاوي
59
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وسقوطه ، ويكون « إذا » اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية ، في محل جر بحرف القسم . . « 1 » . وقال - سبحانه - : * ( صاحِبُكُمْ ) * للإشارة إلى ملازمته صلى اللَّه عليه وسلم لهم ، طوال أربعين سنة قبل البعثة ، وأنهم في تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق ، والأمانة ، والعقل الراجح ، والقول السديد . . وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له ، ومطلعين على سلوكه بينهم ، فقولهم بعد بعثته صلى اللَّه عليه وسلم إنه ساحر أو مجنون . . هو نوع من كذبهم البين ، وجهلهم المطبق . . وقوله : * ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) * استئناف بيانى مؤكد لما قبله . والضمير « هو » يعود إلى المنطوق به ، المفهوم من قوله - تعالى - : * ( وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ) * . أي : إن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لا يصدر نطقه فيما يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه ، وإنما الذي ينطق به ، هو وحى من اللَّه - تعالى - أوحاه إليه على سبيل الحقيقة التي لا يحوم حولها شك أو ريب . ومتعلق « يوحى » محذوف للعلم به . أي : ما هذا الذي ينطق به إلا وحى أوحاه - سبحانه - إلى نبيكم صلى اللَّه عليه وسلم . قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) * أي : إنما يقول ما أمر بتبليغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان . . . فعن عبد اللَّه بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أريد حفظه . فنهتنى قريش فقالوا : إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب ، فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك له ، فقال : « اكتب فوالذي نفسي بيده ، ما خرج منى إلا الحق » . وعن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا أقول إلا حقا » فقال بعض أصحابه : فإنك تداعبنا يا رسول اللَّه ؟ قال : « إني لا أقول إلا حقا » « 2 » . وقال صاحب الكشاف : ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ، ويجاب بأن اللَّه - تعالى - إذا سوغ لهم الاجتهاد ، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 27 ص 90 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 247 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 28 .